[ 178 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[في الشهادة والتقوى]
[وقيل: إنّه خطبها بعد مقتل عثمان في أول خلافته]

لاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَلاَ يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلاَ يَصِفُهُ لِسَانٌ، وَلاَ يَعْزُبُ(1) عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ، وَلاَ نُجُومِ السَّماءِ، وَلاَسَوَافِي الرِّيحِ(2) فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ دَبِيبُ الـنَّمْلِ عَلَى الصَّفَا(3)، وَلاَ مَقِيلُ الذَّرِّ(4) فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الاَْوْرَاقِ، وَخَفِيَّ طَرْفِ الاَْحْدَاقِ(5).

وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهِ إِلاَّ اللهُ غَيْرَ مَعْدُول بِهِ(6)، وَلاَ مَشْكُوك فِيهِ، وَلاَ مَكْفُور

____________

1. لا يَعْزُب: لايخفى.

2. سَوَافي الريح: جمع سافية، من سَفّت الرّيح الترابَ والورقَ، أي حَمَلتهُ.

3. الصَفا ـ مقصُوراً جمع صَفاة ـ: الحجر الاملس الضخم. ودبيب النمل: أي حركته عليه في غاية الخفاء لايسمع لها حس.

4. الذَّرّ: صغار النمل. ومَقِيلها: محلّ استراحتها ومَبِيتها.

5. طَرْف الحَدَقَة: تحريك جَفْنَيْها، والحَدَقة هنا العين.

6. عَدَلَ بالله: جعل له مِثْلاً وعَديلاً.

=== الصفحة 397 ===

دِينُهُ، وَلاَ مَجْحُود تَكْوِينُهُ(1)، شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَصَفَتْ دِخْلَتُهُ(2)، وَخَلَصَ يَقِينُهُ، وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْـمُجْتَبَى(3) مِنْ خَلاَئِقِهِ، وَالْمُعْتَامُ(4) لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ، وَالْـمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ(5) كَرَامَاتِهِ(6)، وَالْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالاَتِهِ، وَالْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى(7)، وَالْـمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ(8) الْعَمَى.

____________

1. تكوينه: خَلْقه للناس جميعاً.

2. دِخْلَته ـ بالكسر والضم ـ: باطنه.

3. المجتبى: المصطفى.

4. العِيمَة ـ بكسر العين ـ: المختار من المال، اعتامَ: أخذ المال، فالمُعْتام: المختار لبيان حقائق توحيده وتنزيهه. 5. العقائل: الكرائم.

6. الكرامات: ما أكرم الله به نبيه من معجزات ومنازل في النفوس عاليات.

7. أشْراط الهدى: علاماته ودلائله.

8. غِرْبيبُ الشيء ـ كعِفْريت ـ: أشده سواداً، فغربيب العمى: أشد الضلال ظلمةً.

=== الصفحة 398 ===

أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَالْـمُخلِدَ(1) إِلَيْهَا، وَلاَ تَنْفَسُ(2)بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا، وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا.

وَايْمُ اللهِ، مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ(3) نِعْمَة مِنْ عَيْش فَزَالَ عَنْهُمْ إِلاَّ بِذُنُوب اجْتَرَحُوهَا(4)، لاَِنَّ (اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ)وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ، وَتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْق مِنْ نِيَّاتِهمْ، وَوَلَه مِنْ قُلُوبِهمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِد، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِد، وَإنِّي لاََخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَة(5)، وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ، مِلْتمْ فِيهَا مَيْلَةً، كُنْتُمْ فِيهَا عِندِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ، وَمَا عَلَيَّ إلاَّ الْجُهْدُ، وَلَوْ أَشاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ: عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ!

____________

1. المُخْلِد: الراكن المائل.

2. نَفِسَ ـ كفرح ـ: ضنّ، أي لا تضن الدنيا بمن يباري غيره في اقتنائها وعدّها من نفائسه، ولا تحرص عليه بل تهلكه.

3. الغض: الناضر.

4. اجترحَ الذنبَ: اكتسبه وارتكبه.

5. الفَتْرة: كناية عن جهالة الغرور.

=== الصفحة 399 ===