[ 114 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
في الاستسقاء

اللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ(2) جِبَالُنَا، وَاغْبَرَّتْ أَرْضُنَا، وَهَامَتْ(3) دَوَابُّنَا، وَتَحَيَّرَتْ

____________

1. دَخِلَ ـ كفرح ـ: خالطَه فسادُ الاوهام.

2. انصاحَتْ: جَفّتْ أعالي بُقُولها وَيَبست من الجَدْب. وهذا أنسبُ من تفسير الرضيّ في آخر الدعاء.

3. هامَت: نَدّت وذهبَتْ على وجوهها من شدة المَحْل. وهذا أنسب من تفسير الهيام بالعطش كما يقول الرضي في آخر الدعاء.

=== الصفحة 265 ===

في مَرَابِضِهَا(1)، وَعَجَّتْ عَجِيجَ الثَّكَالَى(2) عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ في مَرَاتِعِهَا، وَالحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا.

اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الاْنَّةِ(3)، وَحَنِينَ الْحَانَّةِ(4)!

اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا، وَأَنِينَهَا في مَوَالِجِهَا(5)!

اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ، وَأَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ الْجُودِ(6); فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ، وَالْبَلاَغَ(7) لِلْمُلْتَمِسِ.

نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ الاَْنَامُ، وَمُنِعَ الْغَمَامُ، وَهَلَكَ الْسَّوَامُ(8)، أَلاَّ تُؤَاخِذَنَا

____________

1. مَرَابِض: جمع مَرْبِض، بكسر الباء، وهو مَبْرَك الغنم.

2. عَجّتْ عَجِيجَ الثّكَالى: صاحت بأعلى صوتها.

3. الانّة: الشاة.

4. الحانّة: الناقة.

5. مَوَالجها: مداخلها في المرارض.

6. مَخَايل: جمع مُخِيلة ـ كمُصِيبة ـ هي السحابة تظهر كأنّها ماطرة ثم لاتمطر. والجَوْد ـ بفتح الجيم ـ: المطر.

7. المُبْتَئِس: الذي مسّتْهُ البأساءُ والضرّاع، والبلاغ: الكفاية.

8. السّوامّ: جمع سائمة، وهي البهيمة الراعية من الابل ونحوها.

=== الصفحة 266 ===

بَأَعْمَالِنَا، وَلاَ تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا، وَانْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ(1)، وَالرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ(2)، وَالنَّبَاتِ الْمُونِقِ(3)، سَحّاً وَابِلاً(4) تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ، وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ.

اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً، تَامَّةً عَامَّةً، طَيِّبَةً مُبَارَكَةً، هَنِيئَةً مَرِيعَةً(5)، زَاكِياً(6) نَبْتُهَا، ثَامِراً(7) فَرْعُهَا، نَاضِراً وَرَقُهَا، تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلاَدِكَ!

اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا(8)، وَتَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا(9)، وَيُخْصِبُ

____________

1. انْبَعَقَ المُزْن: انفرج عن المطر كأنما هو حيّ، انشقت بطنه فنزل ما فيها.

2. أغْدَقَ المطرُ: كثر ماؤه.

3. المُونِقُ: من «آنَقَني» إذا أعجبني، أومن «آنَقَهُ» إذا سرّه وأفرَحَه.

4. سَحّاً: صَبّاً. والوابل: الشديد من المطر الضخم القِطْر.

5. المَرِيعَة ـ بفتح الميم ـ: الخصيبة.

6. زاكياً: نامياً.

7. ثامِراً: مُثْمِراً، آتياً بالثمر.

8. النّجاد ـ جمع النجد ـ: ما ارتفع من الارض.

9. الوِهاد ـ جمع الوَهْدة ـ: ما انخفض من الارض.

=== الصفحة 267 ===

بِهَا جَنَابُنَا(1) وَتُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا، وَتَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا، وَتَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا(2)، وَتَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا(3)، مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ، وَعَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ، عَلَى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ(4)، وَوَحْشِكَ الْمُهْمَلَةِ.

وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضِلَةً(5)، مِدْرَاراً هَاطِلَةً، يُدَافِعُ الْوَدْقُ(6) مِنْهَا الْوَدْقَ، وَيَحْفِزُ(7) الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ، غَيْرَ خُلَّب بَرْقُهَا(8)، وَلاَ جَهَام عَارِضُهَا(9)، وَلاَ قَزَع رَبَابُهَا(10)، وَلاَ شَفَّان ذِهَابُهَا(11)، حَتَّى يُخْصِبَ لاِِمْرَاعِهَا

____________

1. الجَناب: الناحية.

2. القاصية: البعيدة عنا من أطراف بلادنا في مقابلة جنابنا.

3. ضاحية الماء: التي تشرب ضُحىً، والضّوَاحي: جمعها.

4. المُرْمِلة ـ بصيغة الفاعل ـ: الفقيرة.

5. مُخْضِلة: من «أخْضَلَهُ» إذا بلّهُ.

6. الوَدْق: المطر.

7. يَحْفِز: يدفع.

8. البرق الخُلّب: ما يُطْمِعُك في المطر ولا مطرَ معه.

9. الجَهَام ـ بفتح الجيم ـ: السّحاب الذي لا مطرَ فيه. والعارض: ما يعْرِض في الافُق من السحاب.

10. الرّباب: السحاب الابيض. والقَزَع من الرّباب فسّره الرّضي بالقطع الصغيرة المتفرقة من السحاب.

11. الذِّهاب ـ بكسر الذال ـ: جمع ذِهبَة ـ بكسر الذال أيضاً ـ: الامطار القليلة أوالليّنة، كما قال الشريف في تفسيرها.

=== الصفحة 268 ===

الُْمجْدِبُونَ، وَيَحْيَا بِبَرَكَتِهَا المُسْنِتُونَ(1)، فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا، وَتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ، وَأَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَميدُ.
تفسير ما في هذه الخطبة من الغريب

قوله (عليه السلام): (انْصَاحَتْ جِبَالُنَا) أي: تَشَقّقَتْ مِنَ المُحُولِ، يُقَالُ: انْصَاحَ الثّوْبُ: إذَا انْشَقّ، وَيُقَالُ أيْضاً: انْصَاحَ النّبْتُ وَصَاح وَصَوّح: إذَا جَفّ وَيَبِسَ. وَقَوْلُهُ: (وَهَامَتْ دَوَابّنَا) أيْ: عَطِشَتْ، وَالْهُيَامُ: الْعَطَشُ. وَقَوْلُهُ: (حَدَابِيرُ السّنِينَ) جمع حِدبار، وهي: الناقَة التي أنضاها السّيْرُ، فشبّه بها السنة التي فشا فِيهَا الجَدْبُ، قَالَ ذوالرّمّةِ:

حَدَابِيرُ مَا تَنْفَكُّ إلاّ مُنَاخَةً * عَلَى الْخَسْفِ أوْ نَرْمِي بِهَا بَلَداً قَفْرَا
وَقَولُهُ: (وَلاَ قَزَع رَبَابُهَا)، الْقَزَعُ: الْقِطَعُ الصّغَارُ الْمُتَفَرّقَهُ مِنَ السَّحَابِ. وَقَوْلُهُ: (وَلاَ شَفّان ذِهَابُهَا) فَإنّ تَقْديرَهُ: وَلاَ ذَاتَ شَفّان ذِهَابُهَا. وَالشّفّانُ: الرّيحُ البَارِدَةُ. وَالذِّهَابُ: الامْطَارُ اللّيّنَةُ، فَحَذَفَ (ذَاتَ) لِعِلْمِ السّامِعِ بِهِ.