عقائد

مركز الأبحاث العقائدية

المکتبة | الأسئلة | مساهمات المستبصرین
البحث المكتبة العقائدية » موسوعة الأسـئلة العقائدية ج2 (لـ مركز الأبحاث العقائدية)

الصفحة 421

وعبادته تعالى هو معرفته ، ومعرفته لا تكون إلاّ عن طريق حججه وأوليائه ، وهم أهل البيت (عليهم السلام) .

فبواسطتهم يعرف العباد سبل تكليفهم ، وكيفية عبادتهم لله تعالى ، إذ هذه العبادة تكون توقيفية ـ أي موقوفة على اعتبار الشارع وأوامره ـ وهذه الأوامر والتوقيفات لا تعرف إلاّ بهم (عليهم السلام) ، فهم علّة غائية بالتبع للعلّة الغائية الأُولى ، وهي عبادة الله تعالى ، أي أنّ علّتهم الغائية متفرّعة من علّة الإيجاد ، وهي عبادة الله تعالى .

فهنا مقدّمتان كبرى وصغرى :

فالكبرى : هي أنّ علّة الإيجاد والخلق ، عبادة الله تعالى ، العبادة التي لا تكون إلاّ بالمعرفة .

والصغرى : هي أنّ المعرفة لا تكون إلاّ عن طريقهم (عليهم السلام) .

والنتيجة : هي أنّهم (عليهم السلام) علّة غائية للخلق ، بلحاظ تعريف العباد كيفية عبادتهم لله تعالى ، ولعلّ الحديث القدسي يشير إلى هذا الجمع : " يا أحمد لولاك ما خلقت الأفلاك ، ولولا علي ما خلقتك ، ولولا فاطمة لما خلقتكما " (1) .

فالتدبّر في الحديث ، يضيف لك وجوه الجمع المحتملة المشار إليها .

( محمّد بن أحمد العجمي . عمان )

إهداء ثواب قراءة القرآن لهم :

السؤال : ما هو الحكم في إهداء سورة أو آية من القرآن الكريم إلى أرواح الأئمّة (عليهم السلام)؟ علماً بأنّهم غير محتاجين إلى الثواب من أحد إلاّ من الله عزّ وجلّ ؟

الجواب : فبحسب بعض الروايات إنّهم (عليهم السلام) يردّون هذه الهدايا بأضعاف مضاعفة إلى مهديها ، فأثر هذه الهدايا ترجع بالمآل إلى أصحابها ؛ مضافاً إلى أنّه من باب التقدير والتكريم والتعظيم لهم ، ولما تحمّلوه في أعباء الإمامة ، وعلماً

____________

1- مجمع النورين : 187 .

الصفحة 422

بأنّ نفس قراءة القرآن ـ بأيّ مناسبة كانت ـ لها التأثير الملحوظ في ضمير القارئ كما لا يخفى .

( أحمد جعفر . البحرين . 19 سنة . طالب جامعة )

مطهّرون قبل نزول آية التطهير :

السؤال : نشكر لكم جهودكم في الإجابة على الأسئلة .

يقول الله تعالى : { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ } (1) .

يقول في الآية : { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } ألا تعني العصمة ؟ كما في قوله تعالى : { لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (2) ، ولم لا تكون دليلاً على أنّهم مطهّرون عن رجز الشيطان قبل نزول الآية ، بدليل قوله : { عَنكُمُ } ؟

ثمّ ألا تدلّ هذه الآية على فضيلة لجميع الصحابة ؟ لأنّ الله تعالى طهّرهم كلّهم .

الجواب : إنّ آية { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } لا تدلّ على عصمة أصحاب بدر ، كما تدلّ آية التطهير على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) ؛ لأنّ المراد من رجز الشيطان هو الجنابة التي أصابتهم ، بينما المراد من الرجس هو اجتناب المعاصي والذنوب ، والاجتناب دليل على العصمة .

كما أنّ الآية لا تدلّ على تطهيرهم قبل نزولها ، كما دلّت آية التطهير على تطهير أهل البيت (عليهم السلام) قبل نزولها ؛ لأنّ اللام في آية التطهير لام الجنس ، بينما اللام في آية { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } لام التعليل ، أي يطهّركم لأجل ما أصابكم من الجنابة .

قال في الكشّاف : " وذلك أنّ إبليس تمثّل لهم ، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء ، ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء ،

____________

1- الأنفال : 11 .

2- الأحزاب : 33 .

الصفحة 423

وناموا فاحتلم أكثرهم .

فقال لهم : أنتم يا أصحاب محمّد ! تزعمون أنّكم على الحقّ ، وإنّكم تصلّون على غير الوضوء وعلى الجنابة ، وقد عطشتم ، ولو كنتم على الحقّ ما سبق عليكم هؤلاء على الماء ، وما ينتظرون بكم إلاّ أن يجهدكم العطش ، فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم ، فقتلوا من أحبّوا ، وساقوا بقيّتكم إلى مكّة، فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا ، فأنزل الله مطراً ، فمطروا ليلاً حتّى جرى الوادي ، واتخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه الحياض على عدوة الوادي ، وسقوا الركاب ، واغتسلوا وتوضّؤا ، وتلبّد الرمل الذي كان بينهم وبين العدو حتّى ثبتت عليه الأقدام ، وزالت وسوسة الشيطان ، وطابت النفوس " (1) .

ثمّ إنّ هذه الآية تدلّ على فضيلة لبعض الصحابة لا لجميعهم ، وهم الذين كانوا في بدر .

( حسين حبيب عبد الله . البحرين . 20 سنة . طالب جامعة )

معنى تطهيرهم أي عصمتهم :

السؤال : سؤالي يدور حول آية التطهير ، فأبناء السنّة يقولون : إنّ الآية كانت عادية ، فلم ترفع أهل البيت إلى مستوى العصمة ، واستدلّوا بقوله : { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } ، ويقولون : إنّ التطهير كان في هذه الآية للمؤمنين ، كما سبق في آية التطهير ، فما الفرق بين الآيتان .

الجواب : إنّ التطهير في قوله : { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } (2) ، وكذا في قوله : { مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ } (3) ، يختلف عنه في قوله : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (4) .

لأنّه هناك عامّ لجميع المسلمين ، والمقصود منه فيهما رفع الحدث ، سواء

____________

1- زبدة البيان : 31 .

2- الأنفال : 11 .

3- المائدة : 6 .

4- الأحزاب : 33 .

الصفحة 424

الوضوء كما في آية المائدة ، أو الجنابة كما في آية الأنفال .

أمّا آية التطهير ففيها خصوصيات كثيرة ، تجعلها لا تشابه أية آية أُخرى في ذكر التطهير ، منها :

1ـ أداة الحصر { إِنَّمَا } فهي تدلّ على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير .

2ـ كلمة { عَنْكُمْ } في الآية قُدّمت وهي تستحق التأخير ( ليذهب الرجس عنكم أهل البيت ) ، وفي ذلك دلالة على الحصر ـ كما ذكرنا في محله في أدوات الحصر ـ أي حصر إذهاب الرجس بأهل البيت .

ففي الآية في الحقيقة قصدان : قصد الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير ، وقصد إذهاب الرجس والتطهير في أهل البيت (عليهم السلام) .

3ـ قوله : { وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } يدلّ على العصمة ، لأنّ المراد بالتطهير المؤكّد بمصدر فعله ، هو إزالة أثر الرجس بإيراد ما يقابله بعد إذهاب أصله ، ومن المعلوم أنّ ما يقابل الاعتقاد الباطل هو الاعتقاد الحقّ ، فتطهيرهم هو تجهيزهم بإدراك الحقّ في الاعتقاد والعمل ، ويكون المراد بالإرادة أيضاً غير الإرادة التشريعية .

4ـ اللام في كلمة { الرِّجْس } لام الجنس ، والمراد من الرجس كل ما يشين كما ذُكر في كتاب اللغة .

ففي الآيات الأُخرى من القرآن تتكلّم عن التطهير من النجاسات المادّية أو المعنوية ، كالغسل والوضوء ، أمّا في هذه الآية ، فالطهارة هنا أعمّ وأشمل من كلّ نجاسة وقذر ومعصية وشرك وعذاب ، فهي تتكلّم عن أعلى مراتب الطهارة لا مرتبة بسيطة من مراتب الطهارة ، كما في الآيات الأُخريات .

وبالتالي فآية التطهير تدلّ على الطهارة بأعلى درجاتها ، وهي ما نسمّيه بالعصمة ، وأمّا ما سواها من الآيات التي تذكر تطهير المؤمنين فلا ترتقي قطعاً لهذه الآية ولا تشابهها ، وإنّما تدلّ على طهارة مادّية أو معنوية ،

الصفحة 425

كالوضوء والتيمم والغسل وما شابه .

وأدلّ دليل على مدّعانا ، ما رواه العامّة والخاصّة في الصحاح ـ كمسلم وغيره ـ من تطبيق النبيّ (صلى الله عليه وآله) لهذه الآية بدقّة عالية من جمع أهل البيت (عليهم السلام) المخصوصين بالعصمة معه ، ووضعه الكساء عليهم ، وعدم إدخال أحد معهم ، حتّى أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة رفض إدخالها ، مع مكانتها وتقواها ، وبيّن اختصاص أهل البيت (عليهم السلام) بهذه الآية مع طلبها الشديد ، وأخذها الكساء ، فهي تخبرنا بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) جذب منها الكساء ، وقال لها : " ابق إلى مكانك إنّك إلى خير " ، وفي رواية : " أنت من أزواج النبيّ " ، مع ما يحمله النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) من خُلق عظيم ، وعدم ردّ طلب أيّ أحد ، ناهيك عن نسائه ، بل أعزّ واتقى نسائه في زمانها ـ أي بعد خديجة ـ ولكن الحقّ أحقّ أن يُتّبع .

ثمّ إخراج يده الشريفة من الكساء ورفعها إلى السماء ، ودعاء ربّ السماء بأنّ هؤلاء هم أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، فأين هذه الآية من تلك ؟

( أحمد . الكويت . 20 سنة . طالب )

هم أصحاب الكساء للروايات وتغيير صيغة الضمائر :

السؤال : تقبّل الله أعمالكم ، ووفّقكم الله لمرضاته ، في الحقيقة عندي استفسار بخصوص آية التطهير ، الروايات المتواترة تقول : إنّها نزلت في أصحاب الكساء ، والقرائن الداخلية في الآية الكريمة تفيد أيضاً ، إلاّ أنّني أُريد الإجابة على الإشكال الذي يطرحه البعض ، وهو في النظر إلى هذه الآية الكريمة { أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } (1) بحيث إذا كان الرجل وزوجته يطلق عليهما أهل البيت ، إذاً آية التطهير وهي : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (2) .

____________

1- هود : 73 .

2- الأحزاب : 33 .

الصفحة 426

وقد تغيّرت الصيغة الخطابية من التأنيث إلى التذكير ، لأنّ الرسول وأزواجه داخلين في الآية الكريمة ، إذ هم أهل البيت ، رجاءً الإجابة على هذه النقطة بالذات ، وشكراً وبارك الله بكم .

الجواب : حينما ندّعي اختصاص عنوان أهل البيت بخصوص أصحاب الكساء دون أزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فتارة ندّعي ذلك من منطلق اختصاص نفس العنوان المذكور بغير الأزواج ، أي يُدعى أنّ هذا العنوان لا يطلق في لغة العرب أو المصطلح القرآني على الأزواج ، فالزوج ليس من أهل بيت الرجل ، إنّه بناء على أن تكون الدعوى هكذا ، يرد الإشكال الذي أشرتم إليه ، حيث إنّ القرآن الكريم استعمل كلمة أهل البيت في حقّ الأزواج ، هذا تارة .

وتارة أُخرى ندّعي عدم شمول العنوان المذكور للأزواج ، لا من جهة أنّه في اللغة أو في المصطلح القرآني كذلك ، بل من جهة أنّ الروايات الكثيرة من طرق الشيعة والعامّة قد فسّرت عنوان أهل البيت في خصوص هذا المورد بالذات ، بخصوص أصحاب الكساء الخمسة ، وخصوصاً مع تغيير صيغة الضمائر في الآيات فلا يرد الإشكال الذي أشرتم إليه كما هو واضح .

( كرّار أحمد المصطفى . الكويت . 19 سنة . طالب جامعة ومبلّغ دين )

لأمّهات الأئمّة شأن خاصّ :

السؤال : هل كانت جميع زوجات الأئمّة على مستوى عال من التقوى ؟ لا أعني أُمّ الفضل التي سمّت الجواد (عليه السلام) ، إنّما أُمّهات الأئمّة ، ودمتم موفّقين لخدمة محمّد وآل محمّد (عليهم السلام) .

الجواب : إنّ لأُمّهات الأئمّة (عليهم السلام) شأناً خاصّاً ، لأنّ الإمام (عليه السلام) في وجوده التكويني يمتاز بمواصفات خاصّة يحتاج إلى ظرف ممتاز عن غيره .

وهذا يعني أنّهن وصلن إلى مستويات عالية من الالتزام بالدين والعقيدة ، والورع عن الشبهات والمحرّمات ، لتتهيّأ أرضية ممتازة وفريدة لظهور ونشوء وجود الإمام (عليه السلام) .

الصفحة 427

( علي . فرنسا . سنّي . 28 سنة . طالب )

نعتقد بعصمتهم وعلمهم للغيب :

السؤال : نحن السنّة أحقّ منكم بأهل البيت والله يشهد ، نحبّ جميع الصحابة ونترحّم عليهم ، علي وبنيه في قلوبنا نحبّهم ونتولاّهم ، لكن لا نقول إنّهم معصومون ، لا عصمة إلاّ لنبيّ ، ولا نقول إنّهم يعلمون الغيب { لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ } ، يهديكم الله ، ويصلح بالكم .

الجواب : إدعاء محبّة أهل البيت (عليهم السلام) سهل جدّاً ، ولكن المهمّ هو العمل .

وقولك : لكن لا نقول إنّهم معصومون ، لا عصمة إلاّ لنبيّ ، ولا نقول إنّهم يعلمون الغيب { لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ } (1) .

فنقول : أمّا العصمة فنحن نقول بها عن دليل وبرهان ومبنى وفهم يختلف عن مبناكم وفهمكم للعصمة ، وقولكم : لا عصمة إلاّ لنبيّ لا دليل عليه ، بل هو مخالف لقوله تعالى : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (2) .

وكذلك لديكم أنّ الملائكة معصومون عن الخطأ والمعصية ، وليس من المحال أن يُعصَمَ أناس عاديون ليسوا بأنبياء بل أولياء ، وأوتاد الأرض والدعاة إلى الله المخلصين ، فذلك غير محصور قطعاً بالأنبياء (عليهم السلام) .

ومسألة علم الغيب فلا أدري يا أخي هل قرأت ما في مسلم وغيره عن حذيفة : " أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ، فما منه شيء إلاّ قد سألته ، إلاّ إنّي لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة " (3) .

وفي رواية أُخرى لمسلم عن حذيفة قال : " قام فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مقاماً ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلاّ حدّث به ، حفظه من حفظه ، ونسيه من نسيه ، قد علمه أصحابي هؤلاء ، وإنّه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه ، فأذكره ، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ، ثمّ إذا رآه

____________

1- النمل : 65 .

2- الأحزاب : 33 .

3- صحيح مسلم 8 / 173 ، المستدرك 4 / 426 ، مسند أبي داود : 58 ، مسند أحمد 5 / 386 .

الصفحة 428

عرفه " (1) .

فمثل هذه العلوم الغيبية هي التي ندّعيها للأئمّة (عليهم السلام) ، لأنّهم تعلّموا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهم أهل بيته وأدرى من غيرهم بما فيه ، وإن أبيت اختصاصهم فاجعلهم ممّن سمع تلك الخطبة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفظها ، فهل هذا مستحيل ؟ أم مخالف للكتاب والسنّة ؟!

( ... . 23 سنة . طالب جامعة )

جواري الأئمّة لم يمسّهن أحد غير الإمام :

السؤال : الإخوة الكرام في مركز الأبحاث العقائدية ، دمتم موفّقين .

ممّا لاشكّ فيه : أنّ بعض النواصب في الإنترنت يقومون بالتشهير بنا ، وسبّنا بأقذع الألفاظ ، ونحتسب ذلك عند الله تعالى ، ولكن قد وصل الأمر إلى البعض أنّهم يأتون بأحاديث من كتبنا ، تدلّ على أنّ أُمّهات أئمّتنا الأطهار (عليهم السلام) من الجواري ، ثمّ يستدلّون أنّ الجارية حسب مذهبنا يجوز استعارة فرجها .

فلم يكفيهم الظلم ؟ والآن يسبّون الشرف الطاهر ، ويشكّكون بالشجرة المباركة .

راجياً منكم بيان هذا الأمر ، وما ذكر في كتبنا من أحاديث وما صحّتها ؟ والدفاع عن حياض أهل البيت (عليهم السلام) في أقرب وقت ممكن ، ودمتم موفّقين ، تحرسكم رعاية الباري تعالى .

الجواب : نقول : وإن كانت بعض زوجات الأئمّة جواري ، إلاّ أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يعتقونهن ، ثمّ يتزوّجوهن بالعقد الدائم ، فمثلاً أُمّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) ـ هي شاه زنان ـ أعتقها أمير المؤمنين (عليه السلام) وزوّجها للحسين (عليه السلام) (2) .

وكذلك أُمّ الإمام المهديّ (عليه السلام) ، تزوّجها الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) بعد أن كانت جارية ، فعن الإمام الهادي (عليه السلام) قال : " يا كافور : ادع لي أختي حكيمة " ، فلمّا دخلت عليه قال (عليه السلام) لها : " ها هي " ـ يعني نرجس ـ فاعتنقتها طويلاً ، وسرّت بها كثيراً ، فقال لها مولانا : " يا بنت رسول الله أخرجيها إلى

____________

1- صحيح مسلم 8 / 172 .

2- دلائل الإمامة : 196 .

الصفحة 429

منزلك ، وعلّميها الفرائض والسنن ، فإنّها زوجة أبي محمّد وأُمّ القائم " (1) ، هذا أوّلاً .

ثانياً : جواري الأئمّة (عليهم السلام) لم ينكحهن أحد غير الإمام (عليه السلام) ، فهذه حميدة المصفّاة ـ أُمّ الإمام الكاظم (عليه السلام) ـ اشتراها الإمام الباقر (عليه السلام) وكانت بكراً ، ولم تنكح غير الإمام (عليه السلام) .

ففي دلائل الإمامة بعد سؤال الإمام لها عن حالها ، هل هي بكر أو ثيّب ؟ فعرّفته أنّها بكر ، فقال لها : " أنّى يكون ذلك ، وأنت جارية كبيرة " ؟

فقالت : كان مولاي إذا أراد أن يقرب منّي أتاه رجل في صورة حسنة ، فيمنعه أن يصل إليّ ، فدفعها أبو جعفر (عليه السلام) إلى أبي عبد الله (عليه السلام) .

وقال : " حميدة سيّدة الإماء ، مصفّاة من الأرجاس كسبيكة الذهب ، ما زالت الأملاك تحرسها ، حتّى أديت إلى كرامة الله عزّ وجلّ " (2) .

وكذلك الحال مع أُمّ الإمام الرضا (عليه السلام) ، فإنّها لما اشترتها حميدة أُمّ الإمام الكاظم (عليه السلام) كانت بكراً ، وهبتها إلى الإمام الكاظم (عليه السلام) (3) .

فالنتيجة : إنّ أُمّهات الأئمّة من الجواري ـ لو فرضنا عدم عتقهن ـ لم ينكحهن أحد غير الإمام (عليه السلام) .

ثالثاً : بالنسبة إلى ما يتّهموننا زوراً وتلفيقاً ، وبخصوص المسألة الفقهية الخاصّة بنكاح الإماء ، فإنّك تجد جوابنا عليها على صفحتنا تحت العنوان التالي : الأسئلة العقائدية / استعارة الفروج .

وأنت بعد أن تطالع ما كتبنا هناك ترى أنه لا ربط بين المسألتين ، فهذه مسألة فقهية في جواز أن يهب المالك أمته لمن يشاء بمقتضى ملكه ، فإن من البديهيّ جواز وطئ الأمة بالملك لا بالعقد .

وتلك مسألة في موضوع خارجي ، من أنّ الإمام الفلانيّ كانت أُمّه الجارية الفلانية ، ولا دليل خارجيّ قطعاً على حدوث انتقال لهن من يد إلى يد ، بل الدليل على عكسه ، كما علمت أوّلاً وثانياً .

____________

1- كمال الدين وتمام النعمة : 423 ، روضة الواعظين : 255 ، دلائل الإمامة : 496 .

2- دلائل الإمامة : 308 .

3- عيون أخبار الرضا 2 / 26 .

الصفحة 430

وأمّا ما حاولوا الطعن فيه فهو كذب موضوع ، مع أنّ كلا المسألتين يشاركنا فيها غيرنا من المسلمين .

وأمّا ما حاولوا الطعن به فهو كذب مفضوح ، مبنيّ على مغالطة يحاولون تمريرها على الجهّال !

ففي المسألة الفقهية قد عرفت من جوابنا أنّها تعمّ المسلمين ، وفي مسألة النسب الخارجية فهي أظهر ، إذ كثير من أبناء المسلمين أبناء جواري ، بل بعض الخلفاء كذلك ، كالمأمون وغيره .

والربط بين المسألتين لغرض خبيث مثل قولك : إنّ المشركين كانوا يجيزون الاشتراك في الزوجة ، إذاً فإنّ آباء الصحابة غير معروفين بالتحديد ، بل كلّ واحد اشترك فيه عدّة رجال ، أعوذ بالله .

أو كقولك : إنّ بعض نساء قريش كن يتخذن أماكن للعهر وينصبن الرايات ، فإذاً كلّ رجال قريش ـ حتّى من أسلم وبعضهم من الصحابة ـ أولاد بغايا أعوذ بالله .

أو كقولك : إنّ المسلمين يجيزون زواج المرأة بعد طلاق زوجها أو موته ، فإذاً كلّ أبناء المسلمين مختلطو النسب ، وهكذا .

وهو واضح بديهي البطلان ، إذ لا ملازمة هناك ، فإنّ القياس هنا باطل ، لأنّ الحدّ الوسط مختلف في المقدّمتين ، ففي إحداهما جزئي ، وفي الأُخرى كلّي، وهو بديهي البطلان، ومغالطة لتعميم قضية جزئية لأخذ نتيجة كلّية .

هذا مع ما فيها من الكذب في أصل المسألة الفقهية ، كما أوضحنا آنفاً ، فالمغالطة من جهتين ، الأُولى : في اتهام الشيعة بمسألة لا وجود لها عندهم ، واستخدام مسألة فقهية كإطار لهذا الكذب ، والثانية : نفس المغالطة في إيهام الملازمة بين المسألة المدعاة وبين الوقوع الخارجي .

الصفحة 431

( مؤيّد الشمّري . العراق . 26 سنة . بكالوريوس الهندسة الكهربائية )

هم أفضل أم القرآن ؟

السؤال : ندعو لكم بالتسديد الموفّق ، ونرجو الإجابة عن السؤال التالي :

أيّهما أفضل : العترة المطهّرة (عليهم السلام) أم القرآن الكريم ؟ هل يمكن إثبات ذلك بالأدلّة العقليّة والنقليّة ؟ نسأل الله أن تشملنا وإيّاكم شفاعة محمّد وآل محمّد .

الجواب : لقد سؤل سماحة آية الله العظمى الشيخ جواد التبريزي R قريباً من هذا السؤال كما في صراط النجاة ج2 ص 566 السؤال 1753. وإليك السؤال وجواب سماحة الشيخ :

السائل : هناك رأي يقول إن أهل البيت " سلام الله عليهم " أفضل عند الله من القرآن الكريم فما هو تعليقكم ؟

التبريزيّ : القرآن يطلق على أمرين : الأول : النسخة المطبوعة أو المخطوطة الموجودة بأيدي الناس ، الثاني: ما نزل على النبيّ (صلى الله عليه وآله) بواسطة جبرائيل (عليه السلام) والذي تحكي عنه هذه النسخ المطبوعة أو المخطوطة ، وهو الذي ضحّى الأئمّة (عليهم السلام) بأنفسهم لأجل بقائه والعمل به ، وهو الثقل الأكبر ، ويبقى ولو ببقاء بعض نسخه . وأهل البيت (عليهم السلام) الثقل الأصغر .

وأمّا القرآن بالمعنى الأول ـ الذي يطلق على كل نسخة ـ فلا يقاس منزلته بأهل البيت (عليهم السلام) بل الإمام قرآن ناطق ، وذاك قرآن صامت ، وعند دوران الأمر بين أن يُحفظ الإمام (عليه السلام) أو يُحتفّظ على بعض النسخ المطبوعة أو المخطوطة ، فلابدّ من إتباع الإمام (عليه السلام) كما وقع ذلك في قضية صفين ، والله العالم .

( عدي العباسيّ . الكويت . 22 سنة )

أدلّة على بطلان شمول آية التطهير لأزواج النبيّ :

السؤال : أخواني أنا بعثت لكم سؤال في مسألة آية التطهير ، ولم ألق جواباً ، والسؤال هذا : ذكر ميم الجمع بدل نون النسوة ، لأنّ النساء دخل معهن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وهو رأس أهل بيته (صلى الله عليه وآله) ، فما هي الإجابة على هذه الشبهة التي تريد

الصفحة 432

أن تخرج أهل بيت الخمسة من الآية ؟ وشكراً .

الجواب : للإجابة على ما ذكرته نقدّم نقاط :

1ـ ذُكرت عدّة آراء في المراد من أهل البيت في هذه الآية ، نذكر المهمّ منها، فبعضها شاذّة ، أو لم يقل به قائل محدّد :

أـ إنّها نزلت خاصّة بأهل البيت (عليهم السلام) الخمسة أصحاب الكساء .

ب ـ إنّها نزلت في الخمسة أهل الكساء ، وأزواج النبيّ (صلى الله عليه وآله) .

ج ـ إنّها نزلت في نساء النبيّ خاصّة .

2ـ إنّ القول الثالث قال به عكرمة ومقاتل وعروة بن الزبير ، ونقل عن ابن عباس ، وهو قول شاذّ لم يأخذ به إلاّ المتعصّب ضدّ أهل البيت (عليهم السلام) ، ومع أنّه مردود لأنّ عكرمة ومقاتل لا يأخذ بقولهما ، إذ كانا كذّابين مطعون بدينهما ، وعروة كان يناصب أمير المؤمنين (عليه السلام) أشدّ العداء ، وعدّه بعضهم ممّن يضعون الأخبار في علي (عليه السلام) ، وما عن ابن عباس فضعيف ، لأنّ فيه مجاهيل ، مع أنّ له معارضاً من قول ابن عباس نفسه .

وقد استدلّ الرادّون له وللقول الثاني ، بأدلّة كثيرة على بطلانهما :

منها : الروايات الصحيحة الكثيرة الواردة على أنّهم خصوص أصحاب الكساء ، حيث جلّلهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) به حصراً .

ومنها : إنّ الأهل والآل تدلّ على النسب دون السبب .

ومنها : إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) جاء بأهل بيته للمباهلة ، وقد كانوا هؤلاء الخمسة حصراً .

ومنها : إنّ الآية تفيد الحصر لإرادة الله بإذهاب الرجس عن جماعة مخصوصين ، ولم يدّع أحد العصمة لغير هؤلاء .

ومنها : إنّ الأزواج لم يدعين دخولهن فيها ، بل صرّحن في روايات عديدة بعدم دخولهن .

ومنها : الردّ على وحدة السياق بعدّة وجوه كثيرة ، كدلالة تغيير الضمير ،

الصفحة 433

وأنّ ما قبل الآية فيه تهديد ووعيد ، ولا يناسب ذلك إذهاب الرجس ، وإنّ اختلاف المخاطب لا يقدح بورود السياق ، وقد ورد كثيراً في القرآن ، وإنّ الالتزام بوحدة السياق اجتهاد مقابل النصّ الوارد في الروايات الصحيحة ، وعدم الالتزام بالسياق إذا جاءت قرينة على خلافه ، وعدم التسليم بالسياق والترتيب الموجود ، وأنّه هو المنزل ، بل إنّ الروايات تدلّ على أنّ الآية نزلت منفردة ، وغيرها .

3ـ المهمّ إنّ الذين اختاروا اختصاصها بالنساء احتجّوا بالسياق ، وقد عرفت الردّ عليه ، ولكن عندما جوبهوا باختلاف الضمير من المؤنث إلى المذكّر ، حاولوا التملّص بما ذكرت من قولهم بدخول النبيّ (صلى الله عليه وآله) معهن ، ولكنّك عرفت أنّ أصل القول مردود ضعيف شاذّ ، وهو الاختصاص بالنساء ، فما تفرّع عليه واشتقّ منه يكون أضعف ، إذ مع سقوط الأصل فلا مجال للفرع .

مع أنّ أكثر من حاول صرفها عن أهل البيت (عليهم السلام) خاصة وجعل الآية واردة في نساء النبيّ ، والنبيّ (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ، وذلك لنفس السبب ، وهو تذكير الضمير ، فراجع أقوالهم ، كابن كثير ، وابن روزبهان ، بل وابن تيمية ، ولم يستفد أحد منهم أنّ تذكير الضمير كان بسبب دخول النبيّ (صلى الله عليه وآله) مع النساء فقط .

وبعبارة أُخرى : إنّ سبب قولهم بأنّ تذكير الضمير كان لدخول رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقط ، هو التزامهم السابق بأنّ الآية نزلت في نساء النبيّ فقط بمقتضى السياق ، وكان قولهم تخلّص وتملّص من ورود الإشكال عليهم ، إذ ليس لهم مخرج من الإشكال ، سوى هذا الادعاء ، ولم يستندوا فيه إلى حديث ، أو قول لغويّ ، أو دليل عقليّ ، فإذا لم نلتزم بالقول بأنّ الآية نازلة في نساء النبيّ فقط ، ورددناه فما هو الملزم والملجئ لنا لتعليل تذكير الضمير بدخول النبيّ وحده فقط معهن ؟

ثمّ إنّهم لم يبيّنوا لنا لماذا أدخل الله النبيّ (صلى الله عليه وآله) هنا في هذه الآية بالخصوص ،

الصفحة 434

ولم يدخله في الآيات الأُخر ، التي جاء فيها الضمير مؤنّث ، فإنّ قالوا أدخله فقد كذبوا ، لما فيها من ظاهر الضمير ، وظاهر التهديد والوعيد ، المبرأ عنه الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وإذا قالوا لم يدخله في الآيات الأُخر وأدخله في هذه الآية فقط فلماذا ؟ بعد أن حصرتم النزول في النساء فقط .

4ـ فإذا قالوا : أدخله في هذه الآية فقط ، لما فيها من ميزة من نفي الرجس وإثبات التطهير والمدح .

قلنا : إذاً أقررتم بأنّ هذه الآية لا تختصّ بالنساء فقط ، وإنّما دخل معهن غيرهن ، بمقتضى تذكير الضمير ، وأنّ الاعتماد على وحدة السياق كان غير تامّ .

فإذا كنّا نحن والآية فقط ، نضيف : أنّ تذكير الضمير لوحده لا يدلّ على تشخيص الداخل من هو ؟ أو أنّه شخص واحد أو أكثر ، فما هو دليلكم على دخول النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقط ، فلعلّ معه غيره .

وليس لكم نفي دخول غيره إلاّ القول باختصاص الآية بالنساء ، وهذا عود من البدء ، وهو دور صريح .

فلا يبقى إلاّ الاعتماد على قرينة من داخل الآية ، وهو المعنى المراد من أهل البيت (عليهم السلام) ، وفي هذا عودة إلى الآراء المختلفة التي ذكرناها أوّلاً ، ومنها مدّعاكم ، وقد رددناه بما لا مزيد عليه ، بل إنّ القرينة في الآية تخرج النساء أصلاً ، لأنّ نفي الرجس واثبات التطهير ينافي ما خوطب به النساء من التهديد والوعيد ، واحتمال صدور المعصية منهن ، أو قرينة من خارج الآية من سنّة أو لغة ، وهي معنا كما عرفت سابقاً .

( محمّد علي معلى . سورية . 38 سنة . طالب متوسطة )

قبولهم توبة الغالي :

السؤال : ورد عن أحد الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) : أنّه بنا يلحق القالي وإلينا يرجع

الصفحة 435

الغالي ، وتوجد تتمّة للحديث ، أنّه لا يقبل الله رجوع الغالي ولا لحوق القالي ، أفيدونا رحمكم الله .

الجواب : إنّ جميع الروايات التي وردت تنصّ على أنّهم (عليهم السلام) إليهم يرجع الغالي ، وبهم يلحق التالي بالتاء ، وليس هناك في تلك الروايات أية إشارة إلى عدم قبولهم رجوع الغالي ، أو لحوق التالي ، ما عدا رواية واحدة وردت في أمالي الشيخ الطوسيّ (قدس سره) ، تشير إلى عدم قبول رجوع الغالي فقط .

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : " إلينا يرجع الغالي فلا نقبله ، وبنا يلحق المقصّر فنقبله " ، وقد علّل الإمام (عليه السلام) ذلك بقوله : " لأنّ الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزكاة ، والصيام والحجّ ، فلا يقدر على ترك عادته ، وعلى الرجوع إلى طاعة الله عزّ وجلّ أبداً ، وأنّ المقصّر إذا عرف عمل وأطاع " (1) .

ومعنى كلام الإمام (عليه السلام) : إنّ الغالي إذا أراد أن يرجع ويتوب فإنّنا نقبل توبته، لكن عليه أن يرجع إلى أداء الصلاة ، ودفع الزكاة ، والإتيان بالحجّ ، وصيام شهر رمضان ، وإذا لم يقدر على ذلك ـ لأنّه اعتاد على خلافها ـ فإنّا لا نقبله ، لأنّه لم يحقّق شروط التوبة ، فعدم قبولهم (عليهم السلام) لرجوع الغالي ، لأنّه لا يقدر على تحقيق شروط التوبة ، وهذا بخلاف المقصّر ، فإنّ تركه لبعض الأعمال لعدم معرفته بها ، وإذا عرف فإنّه يعمل ويطيع .

( هاشم . الكويت . 20 سنة . طالب جامعة )

اختصاص بعض الآيات بهم :

السؤال : وفّقكم الله وأطال في عمركم في خدمة أهل البيت (عليهم السلام) .

هناك آيات قرآنية عديدة فسّرها الأئمّة (عليهم السلام) بهم ، كأن يقولوا مثلاً : فينا نزلت ، أو في أمير المؤمنين من هذه الآيات ، قوله تعالى : { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } ، وقوله تعالى : { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } ، وقوله تعالى : { وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } .

____________

1- الأمالي للشيخ الطوسيّ : 650 .

الصفحة 436

فهل نستفيد من هذه الروايات اختصاص هذه الآيات وغيرها بهم ؟ أم في كونهم مصداق أعلى لهذه الآيات ، ولكنّها تشمل غيرهم أيضاً ؟ وما هو الدليل ؟ وفّقكم الله بحقّ محمّد وآل محمّد .

الجواب : إذا أخذ قوله تعالى : { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ ... } (1) نفسه مع قطع النظر عن المورد ، ومن شأن القرآن ذلك ـ ومن المعلوم أنّ المورد لا يخصصّ بنفسه ـ كان القول عامّاً ، من حيث السائل والمسؤول عنه ، والمسؤول منه ظاهراً ، فالسائل كلّ من يمكن أن يجهل شيئاً من المعارف الحقيقيّة والمسائل من المكلّفين ، والمسؤول عنه جميع المعارف والمسائل التي يمكن أن يجهله جاهل .

وأمّا المسؤول منه ، فإنّه وإن كان بحسب المفهوم عامّاً ، فهو بحسب المصداق خاصّ ، وهم أهل البيت (عليهم السلام) ، وذلك أنّ المراد بالذكر إن كان هو النبيّ (صلى الله عليه وآله) كما في آية الطلاق فهم أهل الذكر ، وإن كان هو القرآن كما في آية الزخرف فهو ذكر للنبيّ (صلى الله عليه وآله) ولقومه ، فأهل البيت خاصة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وقد قارنهم (صلى الله عليه وآله) بالقرآن ، وأمر الناس بالتمسّك بهم في حديث الثقلين المتواتر (2) .

وقد وردت من الأحاديث عنهم(عليهم السلام) توضّح أنّهم هم أهل الذكر ، وهم قومه، وهم المسؤولون ، فعن الإمام الباقر (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ : { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْر ... } ، قال : " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : الذكر أنا ، والأئمّة أهل الذكر " (3) .

وقوله عزّ وجلّ : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } (4) ، قال الإمام الباقر (عليه السلام) : " نحن قومه ، ونحن المسؤولون " (5) .

وأمّا قوله تعالى : { أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ ... } (6) ، فالمراد بأُولي الأمر هم الأئمّة من آل محمّد (عليهم السلام) ، لأنّ الله أوجب طاعتهم بالإطلاق ، كما أوجب طاعته وطاعة رسوله ، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلاّ من ثبتت عصمته ، وعلم أنّ باطنه كظاهره ، وأمن من الغلط ، وليس ذلك بحاصل للأمراء والعلماء ، كما قيل : جلّ الله أن يأمر بطاعة من

____________

1- النحل : 43 .

2- أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 12 / 284 .

3- الكافي 1 / 210 .

4- الزخرف : 43 .

5- الكافي 1 / 210 .

6- النساء : 59 .

الصفحة 437

يعصيه ، أو بالانقياد للمختلفين في القول والعمل ، لأنّه محال أن يطاع المختلفون ، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه (1) .

أمّا قوله تعالى : { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } (2) ، فالآية تدلّ على أنّ الأرض لا تخلو من هاد يهدي الناس إلى الحقّ ، إمّا نبيّ منذر ، وإمّا غيره ، يهدي بأمر الله ، وقد وردت روايات تشير إلى أنّ المنذر هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، والهادي هو علي (عليه السلام) ، ومعنى ذلك أنّ مصداق المنذر هو النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ومصداق الهادي هو علي (عليه السلام) أو الإمام (3) .

وأمّا قوله تعالى : { وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } (4) ، فالمراد من مفهوم الصادقين كما وضّحه القرآن في سورة الحشر الآية الثامنة ، بأنّهم المؤمنون المحرومون ، الذين استقاموا وثبتوا رغم كلّ المشاكل ، وأخرجوا من ديارهم وأموالهم ، ولم يكن لهم هدف وغاية سوى رضى الله ، ونصرة رسوله (صلى الله عليه وآله) ، وهذا المفهوم واسع .

إلاّ أنّ المستفاد من الروايات الكثيرة : أنّ المراد من هذا المفهوم هنا هم المعصومون فقط ، ففي رواية : أنّ سلمان سأل عن تلك الآية فقال : يا رسول الله عامّة هذه الآية أم خاصّة ؟ فقال : " أمّا المأمورون فعامّة المؤمنين أُمروا بذلك ، وأمّا الصادقون فخاصّة لأخي علي والأوصياء من بعده إلى يوم القيامة " (5) .

( تركي عبد الله سعيد . السعودية . سنّي . 23 سنة . بكالوريوس )

لا تعارض في أفعالهم ومواقفهم :

السؤال : سؤالي هو إلى العلماء المحترمين : علي اتّقى ظلم أبي بكر وعمر وعثمان على حسب كلامكم ، ولكنّه تقاتل مع معاوية ، والحسن رجع واتّقى معاوية ، والحسين لم يرض بحكم يزيد ؟

أنا كمسلم عادي ، ومأمور باتباع أهل البيت ، وهم حجّة عليّ ، كيف أفهم مواقفهم بحيث لا يكون فيها تعارض ، لأنّ في ظاهرها تعارض كامل ؟

____________

1- أُنظر : مجمع البيان 3 / 114 .

2- الرعد : 7 .

3- أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 11 / 327 .

4- التوبة : 119 .

5- كمال الدين وتمام النعمة : 278 .

الصفحة 438

الجواب : لا يوجد تعارض في أفعال أهل البيت (عليهم السلام) ، لما ثبت عندنا من عصمتهم وتكامل علمهم ، ولكن فهم مواقف أهل البيت (عليهم السلام) يحتاج إلى اطلاع شامل ، وموضوعيّ للمرحلة التي عاشها كلّ إمام منهم .

فالظرف الذي قاتل فيه أمير المؤمنين(عليه السلام) معاوية يختلف عن الظرف الذي صالح فيه الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية ، وكذلك محاربة الحسين (عليه السلام) ليزيد واتباعه ، فللظروف دخلها الكبير في هذه المواقف ، وهذا يحتاج إلى مراجعة كتب العلماء والمحقّقين الذين تناولوا تلك الفترات .

أمّا الموقف الشرعيّ لأهل البيت (عليهم السلام) تجاه هؤلاء الأشخاص الذين حاربوهم أو صالحوهم فهو واحد لا يتغيّر ، وقد نطق بمضمونه النبيّ(صلى الله عليه وآله) في حديثه : " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " (1) .

وقد علمنا وقف هذا السياق أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قاتل المشركين ، ثمّ صالحهم ، ثمّ دخل عليهم شاهراً سيفه في فتحه لمكّة ، ولا يعني هذا أنّ هناك تناقضاً في أفعال النبيّ (صلى الله عليه وآله) ـ حاشاه ـ إنّما لكلّ ظرف خصوصياته ودوافعه .

( نوفل . المغرب . 26 سنة )

الكتب التاريخية المؤلّفة حولهم :

السؤال : ما هو أوثق مرجع تاريخي لمدرسة أهل البيت ؟ وشكراً جزيلاً .

الجواب : إنّ كان من حيث سيرة وتاريخ الأئمّة (عليهم السلام) ، فبالإمكان مراجعة كتاب " الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد " للشيخ المفيد ، و " إعلام الورى بأعلام الهدى " للشيخ الطبرسيّ .

أمّا إذا كان المراد من كتب التاريخ التي تعنى بالتاريخ العامّ ، فإنّها كما تعرف كانت تكتب تقرّباً إلى الملوك والسلاطين ، فتذهب بمذاهبهم ، وتورد ما يوافق أفكارهم وغاياتهم ، ولم يكن للشيعة يوماً حكومة إلاّ في فترات قصيرة لم يتسنّ كتابة هكذا تاريخ فيها ، وإن كان هناك بعض الكتب فإنها ذهبت مع ما

____________

1- ينابيع المودة 3 / 372 .

الصفحة 439

ذهب من كتب الشيعة نتيجة القمع والملاحقة ، تستطيع أن تعرفها لو راجعت كتب التراجم .

نعم كتب اليعقوبيّ والمسعوديّ اللذين يعتبران من الشيعة كتب في التاريخ العامّ للدول والملوك ، ولكن كتبوا في زمن تسلّط مخالفيهم ، فشابها الكثير من التقية وعدم التصريح ، والاكتفاء بالأحداث العامّة وتواريخ الوقائع .

( أبو جعفر . الكويت . ... )

معناه اللغويّ :

السؤال : وفّقكم الله ، إخواني الكرام القائمين على هذا الموقع العظيم ، وجعله في ميزان أعمالكم ، ورزقنا الله وإيّاكم شفاعة محمّد وآل محمّد (عليهم السلام) .

أمّا بعد ، من منطلق التدبّر بآيات القرآن الكريم ، لاحظت أمراً يتعلّق بآية التطهير : أنّه هل يمكن أن نستفيد من نفس الآية حصراً بغضّ النظر عن الأدلّة الأُخرى ، وهو اختلاف المراد من { بيوتكن } و { أهل البيت } ، وبالتالي عدم دخول الزوجات في أهل البيت (عليهم السلام) ؟

الجواب : في مقام التعليق على ما ذكرت ، نقدّم أُموراً :

1ـ يحدّد المفهوم اللغوي لكلمة أهل بما يضاف إليها ، فأهل القرى : سكّانها ، وأهل الكتاب : أتباعه ، وأهل الرجل : عشيرته وذوو قرباه (1) ، أخصّ الناس به (2) ، من يجمعه وإيّاهم نسب أو دين (3) .

وأهل بيت الرجل : ذو قرباه ومن يجمعه وإيّاهم نسب ، وأطلقت في الكتاب الكريم على أولاد إبراهيم (عليه السلام) وأولاد أولاده ، قال تعالى : { رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } (4) .

وهناك فرق بين أهل الرجل وأهل بيت الرجل ، فقد عُبّر في اللغة مجازاً بأهل الرجل عن امرأته ، قال الزبيدي : " ومن المجاز : الأهل للرجل زوجته " (5) .

أمّا أهل بيت الرجل : فهم من يجمعه وإيّاهم نسب ، وتعورف في أسرة

____________

1- القاموس المحيط 3 / 453 .

2- لسان العرب 11 / 29 .

3- المفردات في غريب القرآن : 29 .

4- هود : 73 .

5- تاج العروس 7 / 217 .

الصفحة 440

النبيّ (صلى الله عليه وآله) .

2ـ من الواضح أنّ أهل البيت متكوّنة من لفظتين هي : " أهل " التي ذكروا أنّها ولفظة " آل " بمعنى واحد ، وذكروا لهما معان متعدّدة بين الضيق والسعة ، يرجع إليها في البحث المتعلّق بمعنى " الآل " ، وهل هم أقرباء النبيّ (صلى الله عليه وآله) أو أتباعه أو غير ذلك ؟

واللفظة الأُخرى فهي " البيت " ، فهل المراد منها المعنى الموضوع لها ـ وهو مكان السكن المتكوّن من الطين والخشب ، أي البيت المادّي ـ أو المراد منها هنا المعنى الاستعمالي ـ وهو بيت الذروة والشرف ومجمع السيادة ـ أي بيت النبوّة ؟

مع أنّه قد عرفنا من تنصيص أهل اللغة ما هو المعنى المراد من استعمال أهل البيت إذا جاءا معاً عند العرب ، وبالتالي لا فرق بين تعيين أيّ من المعنيين ، ولكن المعنيين المذكورين أصبحا مورداً لظهور شبهة سوف تأتي الإشارة إليها في النقاط التالية .

3ـ من الواضح أنّ المقصود من البيوت في قوله تعالى: { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } (1)، وقوله تعالى : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ } (2) هي البيوت المبنية من الطين والخشب ، وكذا في قوله تعالى : { بُيُوتَ النَّبِيِّ } (3) ، وهو غير المعنى المراد من مجموع لفظتي " أهل البيت " ، كما عرفت من تنصيص أهل اللغة ، سواء قلنا إنّ المراد من لفظة بيت فيه الطين والخشب ، أو بيت الذروة والشرف ، وذلك واضح من الآية { إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (4) .

أمّا إذا قلنا : إنّ المراد من " البيت " فيها هو بيت الطين والخشب ، فلأنّه قد أضاف جمع البيوت في { فِي بُيُوتِكُنَّ } إلى النساء ، وفي { بُيُوتَ النَّبِيِّ } إلى النبيّ ، وهنا عرّف البيت بالألف واللام العهدية لا الجنسية أو الاستغراقية كما هو واضح ، فإنّه لا يريد جنس البيوت ولا كلّ بيت بيت .

____________

1- الأحزاب : 33 .

2- الأحزاب : 34 .

3- الأحزاب : 53 .

4- الأحزاب : 33 .

الصفحة 441

فتحصّل : أنّ هذا البيت المعهود ليس أحد تلك البيوت المنسوبة للنساء ، وإلاّ فما هو المرجّح بينها ، وإنّما هو بيت آخر غيرها معهوداً بين المتكلّم والمخاطب (صلى الله عليه وآله)، قد يكون بيت علي (عليه السلام) ، كما ذكر ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما أشار إليه أبو بكر ، وقال : هل هذا البيت منها ؟ أي من البيوت التي أذن الله أن ترفع كما جاء في الآية ، فأجابه (صلى الله عليه وآله) : " نعم من أفضلها " (1) ، وبيت علي هو بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) بلا إشكال .

وهذا فيما لو تنزّلنا وقلنا بأنّ المراد هو هذا المعنى ، أي المصنوع من الطين والخشب ، وهو مورد الشبهة التي جاءت عند العامّة ، الذين قالوا بأنّ أهله كلّ من دخل تحت سقفه ، فالأزواج من أهله ، وقد عرفت الجواب مع أنّا قد ذكرنا أنّ المعنى المستعمل في المركب من اللفظين : " أهل " و " البيت " هو غير المعنى المفرد لكلّ منهما ، كما عرفت من تنصيص أهل اللغة فلاحظ .

وأمّا إذا أُريد من البيت هو بيت الذروة والشرف وبيت النبوّة ، وأنّ المراد منه كما يراد من مثل قولهم أهل القرآن وأهل الله ، فعند ذلك لا يصحّ الدخول فيه إلاّ لمن حصل له الأهلية والاستعداد الكامل ، الذي يكون السبب في التنصيص عليهم من قبل الله تعالى ، فلا يراد منه إلاّ المنتمون إلى النبوّة والوحي بوشائج روحية خاصّة ، ولا يشمل كلّ من يرتبط ببيت النبوّة من طريق السبب أو النسب فحسب ، ولذا سألت أُمّ سلمة عن دخولها فيه ، فجاءها الجواب بالنفي ، وهذا البيت هو المراد منه { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ... } (2) ، كما تقدّم سابقاً في جواب النبيّ لأبي بكر .

وورد أيضاً : أنّ قتادة لمّا جلس أمام الإمام الباقر (عليه السلام) قال : لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عباس ، فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك ، قال له أبو جعفر الباقر (عليه السلام) : " ويحك أتدري أين أنت ؟ أنت بين يدي

____________

1- الصراط المستقيم 1 / 293 .

2- النور : 36 .

الصفحة 442

{ بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ } فأنت ثمّ ونحن أولئك " ، فقال قتادة : صدقت والله جعلني الله فداك ، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين (1) .

ولعلّ هذا المعنى الثاني للبيت مأخوذ من المعنى المستعمل فيه " أهل البيت " كما نقلنا عن أصحاب اللغة .

4ـ وبعد كلّ ما تقدّم ، فقد عرفت ما هو المراد من لفظتي " أهل البيت " فيما إذا وردتا معاً ، وقد عرفت أنّ النزاع قائم في أنّ معنى أهل البيت هل هو واسع يشمل الزوجات أو أنّه مقتصر على أشخاص معينين هم أصحاب الكساء؟ فافترق المسلمون إلى أقوال ، ونحن نستدلّ بحديث الكساء الصحيح على حصرهم بالخمسة أصحاب الكساء ، إضافة إلى ما تقدّم كلّه .

فإذا تقرّر ذلك : نرجع إلى سؤالك فنقول : من الواضح أنّ المراد في { بُيُوتِكُنَّ } هو بيت الطين والخشب ، وهو يجمع إذ لو كان لشخص معيّن عدّة زوجات ، وكلّ منها اسكنها في بيت ، فيقال : هذه بيوت هذا الرجل ، أو بيوت زوجاته ، وأنّ المراد من " أهل البيت " معنى آخر هو ذو قرباه ومن يجمعه وإيّاهم نسب ، ولا تجمع لفظة " البيت " فيه بهذا المعنى ، إذ لم يعرف من كلام العرب أن يقولوا " أهل بيوت النبيّ " ، ويراد به هذا المعنى المتقدّم ، فإذا كان للرجل عدد من الأولاد من زوجات مختلفة أسكنهم في بيوت مختلفة ، فإنّهم يقال لكلّ أولاده : أهل بيت الرجل ، نعم قد يستعمل أهل بيوت الرجل ، لكن بمعنى من كان تحت سقوف بيوته ، أي يمكن أن يجمع بذلك المعنى الأوّل .

فإذا نظرنا إلى الآية ، نجد أنّ البيوت جاءت مجموعة عندما أضيفت إلى النساء ، وأنّها جاءت مفرداً عندما عرّفت بالألف واللام ، وتعلّقت بالأهل ، فتعرف أنّ البيوت المرادة هناك غير البيت المراد هنا ، فيمكن أنّ تكون إشارة لطيفة بلاغية على الاختلاف ، نظراً لإبدال التعبير من الجمع إلى المفرد ، ثمّ

____________

1- خصائص الوحي المبيّن : 18 .

الصفحة 443

إلى الجمع في نفس الآيات ، ولكن لا يمكن أن يكون دليلاً مستقلاً ، وذلك لأنّا قلنا : إنّ البحث حول دخول الزوجات أو عدم دخولهن مرتبط بتحديد معنى ومفهوم أهل البيت ، سواء من اللغة أو القرآن أو السنّة .

فاختلاف المعاني المرادة من البيت لا يعني بالضرورة عدم دخول النساء في أهل البيت ، ألا ترى أنّه لا تناقض في الآيات لو ثبت فرضاً من دليل خارج أنّ النساء داخلات في " أهل البيت " .

نعم ، نعود ونقول إنّه مؤيّد ، وإشارة لطيفة تتمّ إذا ادعى مدعٍ أنّ المراد من البيت في " أهل البيت " في الآية هو البيت المحسوس من الطين والخشب ، وتتأكّد هذه الإشارة التي نوهنا إليها هنا ، إذا لاحظنا العودة إلى جمع البيوت مرّة أُخرى في آية { واذكرن } بعد آية التطهير ، فكأنّها تؤكّد أنّ هذه البيوت غير ذلك البيت ، وإلاّ لماذا عاد للتفريق بالجمع ، والإضافة إليهن بعد الإفراد والتعريف بالألف واللام العهدية .

( أحمد . الإمارات . 19 سنة . طالب حوزة )

ما يتعلّق بخبائثهم :

السؤال : هذه شبهة وردت في إحدى مواقع الوهّابية في المنتديات ، أرجو الردّ السريع .

ليس في بول الأئمّة وغائطهم استخباث ولا نتن ولا قذارة ، بل هما كالمسك الأذفر ، بل من شرب بولهم وغائطهم ودمهم يحرّم الله عليه النار ، واستوجب دخول الجنّة، " أنوار الولاية للآخوند ملاّ زين العابدين الكلبايكاني : 440 " .

وروي عن أبي جعفر : " للإمام عشر علامات : يولد مطهّراً مختوناً ، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادتين ، ولا يجنب ، وتنام عينه ولا ينام قلبه ، ولا يتثاءب ، ولا يتمطّى ، ويرى من خلفه كما يرى من إمامه ، ونجوه كريح المسك "، الكافي 1 / 319 كتاب الحجّة ــ باب مواليد الأئمّة ".

أرجو المساعدة على الردّ على تلك الحثالة الوهّابية ، وشكراً .

الصفحة 444

الجواب : وردت رواية مرسلة في الكافي بهذا المعنى في بيان أنّ للإمام علامات عشر ، عن زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : " للإمام عشر علامات : يولد مطهّراً ، مختوناً ، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب ، وتنام عيناه ولا ينام قلبه ، ولا يتثاءب ، ولا يتمطّى ، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه ، ونجوه كرائحة المسك ، والأرض موكلة بستره وابتلاعه، وإذا لبس درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت عليه وفقاً ، وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً ، وهو محدّث إلى أن تنقضي أيّامه " (1) .

قال المازندراني في شرح أُصول الكافي : " قوله : " ونجوه كرائحة المسك " هذه علامة سابعة ، وفيه حذف أي رائحة نجوه ، والنجو ما يخرج من ريح أو غائط ، وذلك لأنّ باطنه كظاهره طاهر مطهّر ، ممّا يوجب التأذّي والتنفّر منه.

قوله : " والأرض موكّلة بستره وابتلاعه " هذه علامة ثامنة ، وذلك إمّا لتشرّفها به ، كما شرب الحجّام دمه (صلى الله عليه وآله) للتشرّف والتبرّك ، أو لأنّه وإن لم يكن له رائحة إلاّ أنّ صورته كصورة نجو غيره ، ومشاهدة ذلك يوجب التنفّر منه في الجملة ، فأمرت الأرض بابتلاعه إكراماً له (عليه السلام) " (2) .

ونحن بغضّ النظر عن سند الرواية نقول : إنّ متن الرواية لا منافاة فيه ، لما دلّ الدليل عليه من الأدلّة العقليّة من وجوب اتصاف الإمام المنصوب من قبل الله سبحانه بأفضل الصفات وأعلاها ، وأن لا يكون فيه ما هو منفرّاً للناس ، سواء كان ذلك بالطباع أو بالتكوين ، لأنّه يعدّ نقضاً لغرض تنصيبه من قبل الله سبحانه .

وأيضاً قد دلّت الأدلّة المتضافرة في كتب الفريقين : أنّ الأئمّة (عليهم السلام) قد خُلقوا من طينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) النورانية ، وأنّ طباعهم طباعه ، وسنخهم سنخه .

روى الشيخ الصدوق (قدس سره) بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : " إنّ رسول

____________

1- الكافي 1 / 388 .

2- شرح أُصول الكافي 6 / 392 .