عقائد

مركز الأبحاث العقائدية

المکتبة | الأسئلة | مساهمات المستبصرین
البحث المكتبة العقائدية » بلون الغار... بلون الغدير (لـ معروف عبد المجيد)

في قلب الحياةِ

وكلنا.. نحن القتيلْ.. !

يا لي.. ويا لربابتي الرعناءِ

كيف تميتني صمتاً

لتعزف ما تمنّت أن تقولْ.. !!

قد كنت أرجو أن أصوغ قَصيدةَ الميلادِ

في هذا المساء الطلقِ

لكنَّ الحسينَ.. جراحه سكنت فمي

فتحولت فيه الاغاريد البهيجةُ نوحةً

وتحول النغمُ الطروبُ

إلى عويلْ.. !!

يا كلَّ آياتِ النبوةِ

والاناشيدِ النديّةِ

في شفاه المصطفى..

يا سبطَهُ المسمومَ.. قامَ

ومزّق الاكفانَ

وهو يطوف حول البيت.. متّئدًا

ويسعى بين مروةَ.. والصفا

قعدوا.. ولم تقعدْ.. !

ولكنّ الخيانةَ في «النّخَيْلةِ»

الصفحة 92

وانكفاءاتِ القبائلِ

حمّلتك من الشدائد ما كفى.. !

خذلوك، وانتهبوا المصلَّى والمتاعَ

ونازعوك بساطك النبويَّ

ثم تأملوا أن يُسلموك إلى ابن هند

حيلةً.. وتزلَّفَا.. !

غصصٌ.. على غُصص.. !!

وهم من جرّعوا أضعافها

ـ يوماً ـ أباكَ..

فما احتفيتَ.. وما احتفى.. !

طعنتك شرذمةُ النفاقِ

ولو تخيَّرْتَ القتالَ

بدا من الغدر المبيّتِ.. ما خَفَى !

يا عزَّ هذا الدينِ

كم ذلّت رقاب خالفتكَ

وكم من الفرسان حين البأسِ

صار مخالفا.. !

صلحٌ.. به حُقنت دماءٌ

لو جرت.. لاتوا على الثقلينِ

موجدةً.. وحقدًا تالدًا..

وتعسفَا

عهدٌ.. به بَيَّضت وجه المسلمينَ

الصفحة 93

فبئس من جافى.. وعزّك في الخطابِ

وأرجفا.. !

لولم يكن نصراً..

فكيف بغى معاويةٌ عليك

وما وفى.. ؟!

مهدتَ للثوار دربهم الطويلَ

فحمحمت خيل الحسينِ

وأدرك التاريخ أن النخلَ

حين يموت من ظمأ

يظل على الدوام مرفرفاً

ومعانقا هام السماء

وواقفَا

يا أيها المظلومُ..

أمنحك الفؤاد مفتتَ الرئتينِ

يخفق.. نازفَا

أهديك في الميلاد تاريخاً

وشمساً لا تغيبُ

ومصحفَا

٢٨/١٢/١٩٩٦

الصفحة 94 الصفحة 95

(حكايات السيف.. والفتى)

لا سيف إلاّ ذوالفقار

ولا فتى إلاّ عليّ

مكتوب فوق جفون الشمسِ

بأنك حين بزغتَ

انشقّ جدار في بيت اللهْ.. !

فزهوت على رمش الاصباحِ

شروقاً ورديّاً

وحماماً نجديّاً

ونخيلاً بَصْريّاً

وجريت بجنب الكعبة نيلاً مصريّاً

تؤتيك المعجزة خلوداً..

ويرى فيك البيت المعمورُ صباهْ

وسمعنا أنك حين تنفستَ على الوادي المقفرِ

هفهفت الاغصانُ

وماسَ الريحانُ

ونبت الفرح الاخضر في كل فَلاَهْ

الصفحة 96

وقرأنا.. أنك حين لمست الارض بقدميك

ملات الكون الساجى.. نوراً

وطفقت تؤذن في الافاقِ

وتَحْطم آلهة الشركِ

وتخْصف من وَرَقِ الجنةِ

لتواري للازمنة البدوية سوأتها

ورسولُ الله يذود عن البيتِ

لئلا يطّوّف أقحاح العربِ

حواليه عراهْ.. !

ويحكي أنك حين تجولت على البطحاءِ

انفجر الماء من الاحجار

وغنّت مكةُ لحناً عذريّاً

لروابيها الابكارِ

فقمتَ على ضفة «زمزمَ»

تبدع للتاريخ القابع تحت خيام الصمت الوثنيِّ

عقائدَهُ

وقصائدَهُ

وحكاياهْ... !

ويقال بأنك يا أكرم وجه

الصفحة 97

حين ومضتَ

تشيعت الافلاكُ

وحفّتك الاملاكُ

وكبّرت القبلةُ

لتؤديَ للقدوس الفرضَ الاولَ

يا أول فرض.. وصلاهْ

منقوش في ساق العرشِ

بأنك أنت الزمنُ الماضي، والحاضر، والمستقبلُ

والابدُ المجهول مداهْ.. !

وبأنك آدمنا الاولُ..

جئت لتمنح آدمَ.. بعد المعصيةِ

وبعد الموت الاكبرِ

غفراناً.. وحياهْ.. !

فهل أنك يا مولاى عليّاً..

بشر حقاً.. أم أنت إلهْ.. ؟!!

هآنذا مفتون بك جداً يا عبدالله

فسبحان الله.. !

يا سِرًّا يتلالا في سُبُحات العرصات

ويلمس بأصابعه عليّينَ

الصفحة 98

وإكسير الملكوتِ

فتورق بالانجم والاقمار يداهْ.. !

مكتوب في اللّوح بأنك نَفْسُ نبيٍّ

ووزير رسول، وخليفته الاولُ، وأخوهُ

وأنك مجرى هذا الدين ومرساه.. !

ويقال بأن المأمور بتبليغ التنزيل

افترش الصحراءَ

وجمع وفود الرحمانِ

على شطآن غدير الوعي

وآخذ بيدك.. ونادى:

من كنت أنا مولاه.. فهذا مولاهْ !

فلماذا انحدر التاريخُ..

وفسقَ الزمنُ

وغاصت في الوحل المنتن قدماهْ.. ؟

ولماذا يتقوقع هذا العالمُ

تحت سقيفته الحبلى بالشبقِ

قروناً..

يتمرغ في علب الليل الفاجرِ

ملتذًّا بخطاياه.. ؟!

الصفحة 99

يا وتْراً في فتيان قريش.. ما أقواهُ

وبدرًا في هاشمَ.. ما أحلاهْ.. !

مَسْطورٌ أن المؤمن يحمل وُدّاً لك

في القلبِ

وفي الكبدِ

وفي دمه الدافقِ

وجميع خلاياهْ.. !

يا وَجهاً.. أنظر في القرآن فألقاهْ

وفي السنّة.. فأراهْ

فيصرخ قلبي: إني أهواهْ

فيُحسد.. ويلامُ.. ويُعذلُ

ويعنّفه القومُ

فيكتم في رئتيه هواهْ

صدّقني.. إني أتدبر في الوحى

فأدرك أنك معناه

وحين درست المنطقَ

أيقنت بأنك صغراه.. وكبراهْ

وحين عَقلت وأُلهمت العشقَ

شعرت بأنك نار العشق المؤصدةُ

ولهبُ الشغفِ الحارقُ.. ولظاهْ

الصفحة 100

وحين استيقظتُ على دغدغة السَّحَرِ

وجدتُ بأنك ألقُ الفجرِ الصادقِ

وضياهْ..

ومنذ علمت بأنّ هناك ربيعاً

آمنت بأنك نرجسهُ..

وشقائقهُ

وزنابقهُ

ونداهْ

فهبني أطبقت القلب على جمر هوايَ

فمن ذا يملك أن يغلق هذا الوردَ

على رائحة شذاهْ.. ؟!

يحكون بأنك يا ابنَ أبي طالبَ

أولُ من آمن باللهِ.. عليك سلامُ اللهْ.. !

هل كنت صبياً يلهو.. ؟!

أم كنت الغضب الاتي

يرسم للجيل خطاهْ.. ؟

وهل كان مبيتاً فوق فراش الهجرةِ

أم إيلافاً في ليل قريش

وصعودًا نحو الصحو المطلقِ بعد المحوِ

وقد خسر العقلُ العربيُّ تجارتَهُ

وأضاع طريق الابرِيسَمِ

الصفحة 101

ورمى في البحر قوارير العطرِ

وهشّم فضته.. وزمرُّدَهُ

وزَبرجدَهُ

ومراياهْ.. ؟!

ولهذا.. يا ذاالقرنينِ

فانك قافلة العصمةِ

والحادي..

والقربانُ الاول في تسيار الرحلةِ

والموال المخنوق بصدر البادية المفجوعةِ

والاهْ.. !

وصدقني.. أنك حين خطبت الزهراءَ

كأني.. أبصرت الحسنَ

يقيء الكبد المسمومَ

على حصيات بقيع الغرقدِ

ورأيت حسينا

فوق رمال الطفِّ المدهوشةِ

تنزف شفتاهْ.. !

ولهذا.. حين يفتش شعراءُ العالمِ

عن مأساة تُبكي الجمهورَ..

فتلك المأساهْ.. !

الصفحة 102

يا من نزلت فيك الاياتُ

امددْ لي يدك البيضاءَ

فاني أبحث في بحر الظلمات

على أبواب القرن الحادي والعشرين الداهمِ

عن حبل نجاهْ

يا فارسَ أمتنا الضاري

يحكون بأنك في بدر

لم تكتبْ فردًا في تعداد الجيش

لانك كنت ملائكةً

وخيولاً..

وسيوفاً..

وسهاماً..

ورُماهْ.. !

ولهذا سمتك «ابنةُ أسد» «حيدرةً»..

وأسميك أنا.. قنبلةً

تتفجر في عصر الجبن الباهظِ

ذرات

ثم تعود لتنشطر نواةً

بعد نواهْ.. !

الصفحة 103

بل يحكى أنك.. يا مولانا

حين تصلي.. تتصدق أيضاً

في السر.. وفي العلنِ

وتبسط كفيكَ

وتُؤتى للفقراء زكاهْ.. !

ولهذا.. لما برز الايمانُ جميعاً

للكفر جميعاً

يومَ الاحزابِ..

وعاجله بالسيف البتَّارِ

تأ نَّى.. وابتعد قليلاً.. !

حتى لا يفقد في غمرات النصرِ الساحِق

تقواهْ.. !

ويحكى أنك.. في «خَيبَر»

داهمتَ الحصنَ المستحكمَ

وَدَحوْتَ البابَ الضَّخمَ..

وأدهشتَ الاحبارَ بربّانيَّتِكَ العليا

ونسختَ التوراهْ.. !

فانكمش بنو إسرائيلَ

وكُبكبتِ الكهَّانُ

ومات من الذعر المطبق (أبناءُ اللهْ).. !!

ولهذا.. يركع كل يهوديٍّ

الصفحة 104

بجوار جدار المبكى يتذكر هذا القهرَ

ويندبُ قَتلاهْ.. !

ويحكى أيضاً ـ مع ذلك ـ أن العربَ

ـ وقد قرأوا تاريخاً آخَرَ ـ

يقفون الان على باب القدس أذلاءَ

يغازل قادتَهم (نصفُ رئيس).. !

شبَّ على فضلات القيصرِ والشاهْ.. !!

بأبي أفيدكَ..

بنفسي أفديك..

وأفديك بقومي.. ياابنَ الشَّرفِ الباذخِ..

هآنذا وطن مذبوحٌ

بسيوف قبائله الابقةِ

فمن ذا يثأر لدماهْ.. ؟!

هاهي خمَّاراتُ عواصمنا

ملاى بخوارج هذا العصرِ

يقومون الليل.. مجوناً.. !

وينامون على أرصفة العهرِ

وكل منهم يحلمُ..

ويغنّي في الحلم على ليلاهْ.. !

الصفحة 105

وها هو واقعنا المرُّ

وهذا عالمنا العربيُّ

وتلك أمانيه الكبرى..

وثقافتهُ

وحضارتهُ

ورؤاهُ.. !

فماذا يمنع أشقاها

أن يَخْضب هذي من هذي.. !

علّ القمر الغائبَ خلف السحب الدكناءِ

يعود إلينا من منفاهْ.. ؟!

ويحكى أنك.. في خير ليالي العام

ـ وقد تبعتك صوائحُ

ونوائحُ

حتى عتباتِ الشفق المشتعلِ ـ

توهجتَ دماءًا.. في المحرابِ

فأجفلَ.. !

وتلقى رأسك بين ذراعيه

ومسح جبينك بأنامل شفتيهِ

وأرخى لك فجراً لتميل عليهِ

ووسّدك حناياهْ.. !

الصفحة 106

فلينطفىء الصبح بعيني غانية الكوفةِ

ولْيغربْ شبح فتاها المخدوعِ

فبئس المهرُ

وبئس الفكرُ

وبئس الدهرُ

ولا حول ولا قوةَ إلا باللهْ..

لا حولَ..

ولا قوةَ

إلا باللهْ.. !!

٢٥/١/١٩٩٧

الصفحة 107

(برديات فاطميّهْ)

المدد الاول:

زهراء يا أم الائمهْ يا أمّةً في خير أُمَّهْ

يا بضعة الهادي، وصَفوته، وفلذته، وأمَّهْ

وكريمة امرأة حَصَان فاقت الذُّكْرانَ همَّهْ

أفلت نجوم بنات حواء، وأنت طلعت نجمهْ

تتلالئين على الوجود، فشعّ بعد طويل عتمهْ

وتنافسين سواك علماً عزّ مطلبه، وحكمهْ

يا من وُلدْتِ من الكمال، فكنت سيدةً وقمّهْ

وخُلقت من أجل الخلود، فكنت كنيته وإسمَهْ

أعطاك ربك كوثرًا للمصطفى المبعوث رحمَهْ

وحباك بعلاً من به تمت على الثقلين نعمَهْ

قد خصك المولى بفضل أنت معدنه، وعصمَهْ

فحظيت منه بكلْمتين، ومريم حظيت بكلْمَهْ

المدد الثاني:

زهراء مدي للغريق يديك، وانتشلي الغريقْ

مدي يديك إلى احتشاد الغيم وانتزعي الشروق

الصفحة 108

أنا حائم حولى الحمى فقد الاحبَّة والصديق

قد كان لي عش، وكنت البلبل الحر الطليق

فأتى المغول مع المطامع والمقامع والحريق

جاءوا، فباركهم وأكرمهم «جناب الجاثليق» !

شرف يباح وأمّةٌ تُسبى، ودائرة تضيق

مليار يوسفَ أرهقتهم ظلمة الجب العميق

مليار هابيل بلا قبر ولا قلب شفيق

قابيلُ يشرب في جماجمهم، وأنَّى يستفيق

ويقرّب القربان للشيطان في طبق الفسوق

يا رأسه المنكوس خلف ستائر الزمن السحيق

ذب في الفناء فانه أولى لمن ضل الطريق

سبحان من جعل الغراب أحنّ منك على الشقيقْ !!

المدد الثالث:

فارت دماء السبط، يا زهراء، فاعتنقي الشهيدْ

الف وأربعةٌ مئين، وجرحه فوق الصعيد

يسقي الطفوف بكربلاءَ، فتزدهي فيها الورود

وهو الذبيح على الفرات من الوريد إلى الوريد

ما أقبح الانهار إذْ تجري على مر العهود !!

يَظمَى ابن فاطمة، وتلتذ البهائم والقرود

لو كنتُ نهراً، لامتنعت مدى الزمان على الورود

ونسفت شطآني، وأغرقت المعابر والسدود

الصفحة 109

حزناً على عطش القتيلِ، ودمعةً فوق الخدود

تهمي، وتحفر فوق وجه الكون تاريخاً مجيد

يُرضي البتولَ وتبتدي منه الحضارة من جديد

ويرى الوجود بأنه من دون وجهكَ لا وجود

فليبق ذكْركَ يا حسينُ، وتنمحي ذكرى يزيدْ

فاطمية:

مدد يا بنت النبي يا ام الحسن وحسين

دا انا قربكم مطلبي لكن أنوله منين

يا حُرقة القلب لمّا ينقسم نصّين

دَم الحبايب جرى ودموعهم الحايره.. !

يا بتعة السرّ مِدّي اِيديك للفُقَره

دانور جمالك ظهر يا اجمل من القمره

مدد يا بنت النبي يا فاطمه يا زهره

«الله..الله..يا بدوى جاب اليُسره»

النص:

يا ليت قلبيَ كان صخرهْ

فمسالك العشاقِ وعرهْ

زهراء.. أبهظني الغرام وهدني كمداً وحسرَه

فكتمت ناراً كلما خمدت، زكت لهباً وجمره

الصفحة 110

ورجوت طه أن يمس الجرح لطفاً منه مرّه.. !

وسألت آل محمد مدداً وميسرة ونُصره

وبذلت في إرضائهم ما لا يكاد يُعدّ كثره

وهو القليل بحقهم حتى ولو ضاعفتُ قدره !

يا زهو أرحام النبي، ونسله الباقي، وذكْرَه

يا شمس بيت الوحي، يا إصباحه الزاهي، وفجرَه

يا قبلة المقصود، يا أركان كعبته، وحِجْرَه

أنا طائف بين القواعد والمقام أبرّ نذرَه

دارت به الدنيا، فدار مطوّفاً سبعين دوره !

وسعى إليك ملبياً ومخضباً بالشوق نحره

وأقام في عرفاتَ يزدلف المشاعر والمبرّه

ورمى الجمار مكبّراً ومكسّراً في النفس جمره

ومشى إلى البيت الحرام، محلّقا في العيد شَعره

وأحلّ من إحرام حج ساغ زمزمه.. وعُمرَه

أدى مناسك حبكم فترقرقت في العين عَبره

يا ويح من عاداكمُ متولياً بالاثم كِبره

فلتت «لحبترَ» بيعة لم يخرجوا منها بعبره

لكنّ «قنفذهم» تقمصها وأولى الناس ظهره

لم يشفه ضلع البتول، فأتبع النكراء فجره !

وأراد كل الدين، أمّته، وسنّته، وذِكره

فاذا اشتفى من هاشم وأصاب سهم الموت سَحْره

عهدوا «لنعثلَ» بعدما حفروا «لذي القرنين»حُفره

الصفحة 111

صُرفت عن «النبأ العظيم»، ولدغة الثعبان فطره !

حتى إذا قصدته مذعنة، ملبّيةً، مقرَّه

نكث البغاة، وأعمل الطاغوت حيلته ومكره

كم من مريد عُمرةً لم يرتحل إلا لغدْرَه !

ومشت «أميةُ» في الورى تقضى بما تهوى ويكره

واستقطبوا «شيخ المَضيرة» مغدقين عليه أجره

حدّث «أخا دَوْس»، فانك ذو مخيِّلة وخبره

واسلك سبيلاً مُهّدت فمسالك الامجاد وعره

حدّثْ.. فانّ الاصفر الرنّان لا تعدوه قُدره !

حدّث.. وآتيناك أطياناً، وقفطاناً، وإمره

حدّث.. فما «قصر العقيق» أقلَّ من «قصر المعرّه».. !

حدّث أيا شيخ الرواة، ولا تصن للدين عوره.. !

حدّث أيا فأر الحديث ! فكله من وحي هرّه !!

حدّث.. فكيسك لا يعي إلا أبو سفيانَ قَدره !

حدّث.. فداهية الشآم تحكمت يده بشعره !

دلِّسْ.. !! فلا حرجٌ إذا بلغت صحاح الزيف عشْره !

ما أعجبَ التاريخ.. يُروَى مسنداً لابي هريره !!

يا نبتة الروض النديّ، وتُربَهُ الزاكي، وبَذرَهْ

يا نسمة الدوح الوريف، ونبعه الصافي، وعطره

الصفحة 112

أنا شاعر.. يا كعبتي أهدى لال البيت شعره

سكرت قوافيه، فكنتم كأسه الوافي وخمره

هو من أحبّ ذوي الرسول، فَعُدّ هذا الحب وزرَهْ !!

وهجاه قوم يحسبون ولاء ذي القربى معرّه !

وقلاه أعراب الزمان، وأعلنوا في الارض كفره

وكأنهم لم يكفهم أن صادروا في الحقل بُرّه

فتكالبوا ليصادروا حتى عقيدته وفكره

جهلاَ بأن مع الفتى حججاً تسدّده وعتره !!

زهراءُ، إني عاشق أبلى بسوح العشق دهرَهْ

ومضى إليكِ مخلّفا بددًا فصيلته ومصرَه

مهدت أسبابَ الوصال، مودة فيكم... وهجره

أنا مدنف ذاعت له في محفل العشاق شهره

عاقرت فيه سلافتي فغدوت أوحده ووترَه

ورأيت طيفك في المنام، فكنت شامخةً وحُرّه

تتألقين من الجلال، وفي المحيّا الغضّ حُمره

وعليك تاج من كرامات الرسالة فيه دُرّه

ورأيت جنبك أحمداً وابنيْه جنبكما، وصِهرَه

لقد استقر الطُّور بي فرأيت وجه الله جهره !!

يا بنت خير المرسلين، تحنني جوداً وأُثْرَهْ

مُضناكِ أنحله الجوى وتجرع الالام مُرَّه

الصفحة 113

وبراه داء الوجد حتى شفّ مثل غشاء زهره

ودهته أوصاب الحياة، وشقّت العذال قبره

لكنه ألف العواصف والسماءَ المكفهرّه

وترصّد الانواء معتدًّا ومشتدًّا كصخرَه

ومضى يؤم المجد منتفضاً وملتهباً كثوره

ويبدد الظلماء نجماً بث في الافلاك سحره

يمضي.. ولا يهتم أن الشيب سيف فلّ عمره

أرزاؤه أخنت عليه، فأنقضت كالوزر ظهره

وأسَفَّت الدنيا فلم يفقد لما أبدته صبره

عبست، فلم يعبأ، وجرد لليالي الدهم صدره

كرّت، فأقبل بالمهنّد، يَمنة يفري ويَسره

واعتزّ، لم يُعط الدنيَّةَ، فانثنت لتغرّ غيرَه !!

زهراء.. شدّي للفتى المحفوف بالبأساء أزرَهْ

عَشرٌ وعشر، فوقها عشرون، في يُسر وعُسره

فحفظت عهداً قد عهدت على المسرّة والمضرّه

ونذرت قلبي للهوى وإليك قد سلمت أمره

وتشيعت لكِ مهجتي من قطبها حتى المجرّه

راقت رقائقها، فرقّت، وارتقت طوبى وسدره

وتضاءلت حتى غدت في لجة الفانين قطره

فتفتتت ذَرًّا، وبادت ذرةً من بعد ذره

الصفحة 114

باباً تراه إلى الشفاعة موصلا.. قصدتك عَبره

ولعلها تدنو إلى وادي المنى، وتزيح ستره

يا دفقة الحب المؤلّه، واختلاجته، وسرَّه

مُنّي عليَّ بنظرة فيها الرضا، أو بعض نظره !!

١٨ ـ ٤ ـ ١٩٩٧

الصفحة 115

(إشراقات)

في تجلي المشهد العلوي

يندر أن تبتسم الشمسُ

لقافلة عربيَّهْ

تترفّع أن تتجلّى لعيون البؤساءِ

الحالمةِ ببشرى عذراءَ نقيَّهْ

وتحاذر أن تمسح بأصابعها

دمعاً يجري فوق خدود بدويَّهْ

يندر أن تلج الشمس الاكواخ الرثَّةَ

والدورَ الطينيَّهْ

وتجاهد ألاّ تُشرقَ

فوق الابار المطمورةِ

وخيام الرعي المهجورةِ

وقفار الشرق الاميَّهْ

فالشمس تظن بأن خيوطَ أشعتها

أبياتُ قصيدة شعر مارقة

تتملص من قيد الوزنِ

وسلطان القافيةِ

الصفحة 116

ونحو الاجر وميّهْ..

لكنّ «عليّاً» مسَّ من الشمسِ شغاف القلبِ

فعشقتهُ

وسكنت خيمتَهُ

حتى باتت عَلَويَّهْ.. !

ويراك الصبح نبيلاً

وجميلاً

وقويَّا

فيودّ بأن يتحول رجلاً

يدعَى منذ الان عليَّا..

ويودّ البحر بأن لو كان غديرًا

في خُمَّ

يُقل على شاطئه الفينان نبيَّا

ويودّ «أناسٌ»

أن لو قام رسولُ اللهِ

ونصَّب كلاًّ منهم ـ في ذاك اليوم ـ وليَّا

ويعاين جبرائيل السرّ المكنونَ

فيتمنّى أن لو كان وصيَّا..

وأودّ أنا.. أن لو كنت هناك

لاتملى وجهكَ..

وأمدَّ إليك يديَّا

ولاني مصريٌّ

الصفحة 117

أتمنى أن لو كان «عليٌّ» مصريَّا

وأخاف الساعةَ أن أفصح عن كلفي..

حتى لا أُتهم بأني صِرْت ـ كما الحسن بن الهانىء ـ

زنديقاً.. وشعوبيَّا

بَلْ أخشى أن أُصلبَ

في ميزابِ الذهبِ على الكعبةِ

كالحلاجِ.. وأُحرقَ..

حين أجاهر وأقولُ بأن القرآن النازلَ

لم يصبح قرآناً

حتى أصبح شيعيَّا.. !!

هي ذي خيلٌ وفتوحٌ

تخرج من غار حراءْ

هو ذا فسطاط نبويٌّ

يهب العالم مدناً

وحضارات

ويضيء ليالي الصحراءْ

هو ذا ركب التاريخ يخفّف من مشيتهِ

ويُعرّش عند غدير

تختلط به كلمات الله مع الماءْ..

ها هي أفلاك الكون احتشدت

لتبايع رجلاً

محفورٌ في جبهته قَدَر الاشياءْ

الصفحة 118

خفتت كل الاصواتِ

وجلجل صوت الحق على الارضِ

فنبضت، واهتزت، وربت..

ثم غدت في طرفة عين.. خضراءْ

واختزنت ذاكرةُ العالمِ

أحداثَ اليوم الموعودِ

لتشهدها الاجيالُ

ويفطنَ مغزاها الحكماءْ..

وتدلّت من أغصان الغرقدِ

حبّاتُ ندًى فضيٍّ

وقفت تقطفها الزهراءْ..

هي ذى أودية سالت لعليٍّ

بالوحي على البطحاءْ..

فاندثرت أحلام قريش

وتلاشت محضَ هباءْ

وانهارت جدران سقيفتها

أنقاضاً..

فوق رؤوس الفرقاءْ..

فليتبجّحْ بالشورى المزعومةِ

من شاءَ.. متى شاءْ

والمجد لمن تُوج خلفاً

رغم أنوف الخلفاءْ.. !!

٢٢ ـ ٤ ـ ١٩٩٧

الصفحة 119

(المهدي توقف في)

«عين شمس»

عيناكِ هاتانِ.. أم فجران قد طلعا

مكحلين بليل.. يبسمان معا.. !

تحفّز القلب في صدري، فقلت له:

واضيعتاه لقلب في الهوى وقعا.. !

ما كل من يطلب العنقاء يدركها

ولا الجنون لمن هاموا بها شفعا

كم من مغنٍّ على غيداءَ تنكرهُ

ولاهث خلف ميعاد لها خُدعا

وناظم لؤلؤاً.. شعراً، فما حفلت

به الغواني، ولا سمع لهنّ وعى

لو كان «قيس» قسيَّ القلب معتبرًا

بقسوة الحب، في «ليلاه» ما فُجعا

فاحذر عيون المها تسلم إذا شَهرت

رموشها السودَ بيضاً تصرع السبُعا

الصفحة 120

وثب لرشدك تأمن من مكائدها

وارجع عن الغيّ، فالعقبى لمن رجعا.. !

أعوذ بالحسن من عينين صوبتا

إلى غريم صبَا مسنونةً شُرُعا

أسررتها، فدهتني من كنانتها

برمية أذهبت مني الحشا قِطعا

عانقت حتفي، وباهيت العَذُولَ بهِ

لا طاش سهم لعينيها ولا دُفعا.. !

واخترت هدر دمي زلفى لسافكه

وما فتئت بمن أجرى دمي وَلِعا

إني الشهيد الذي صلّى لقاتله

وأدمن الموت وصلاً للذي قُطعا

يا ربة النيل.. يا أسطورةً بُعثت

من عصر «إيزيسَ»تحكي الهم والجزعا

لمي عظامي وأوصالي، ولا تدعي

وجهي على الموج مكدوداً وممتقعا

كفاك ذحلاً من العشاق ما فعلت

عيناك بي.. قد قتلت الكون مجتمِعا.. !!

وطائف حول بيت الله مُئتزرًا

بخرقتيْ عابد.. بالامر قد صدعا

الصفحة 121 الصفحة السابقة الصفحة التالية